ابن أبي الحديد

170

شرح نهج البلاغة

وقوله عليه السلام : " لشد ما تشطرا ضرعيها " ، شد أصله " شدد " ، كقولك : حب في " حبذا " أصله حبب ، ومعنى " شد " صار شديدا جدا ، ومعنى " حب " صار حبيبا ، قال البحتري : شد ما أغريت ظلوم بهجري * بعد وجدي بها وقلة صبري ( 1 ) وللناقة أربعة أخلاف : خلفان قادمان وخلفان آخران ، وكل اثنين منهما شطر . وتشطر ضرعيها : اقتسما فائدتها ونفعهما ، والضمير للخلافة ، وسمى القادمين معا ضرعا ، وسمى الآخرين معا ضرعا لما كانا لتجاورهما ، ولكونهما لا يحلبان إلا معا كشئ واحد . قوله عليه السلام : " فجعلها في حوزة خشناء " ، أي في جهة صعبة المرام ، شديدة الشكيمة . والكلم : الجرح . وقوله : " يغلظ " ، من الناس من قال : كيف قال : يغلظ كلمها ، والكلم لا يوصف بالغلظ ؟ وهذا قلة فهم بالفصاحة ، ألا ترى كيف قد وصف الله سبحانه العذاب بالغلظ ، فقال : ( ونجيناهم من عذاب غليظ ) ( 2 ) أي متضاعف ! لان الغليظ من الأجسام هو ما كثف وجسم ، فكان أجزاؤه وجواهره متضاعفة ، فلما كان العذاب - أعاذنا الله منه - متضاعفا ، سمى غليظا ، وكذلك الجرح إذا أمعن وعمق ، فكأنه قد تضاعف وصار جروحا ، فسمى غليظا . إن قيل : قد قال عليه السلام " في حوزة خشناء " ، فوصفها بالخشونة ، فكيف عاد ذكر الخشونة ثانية فقال : " يخشن مسها " ؟ قيل : الاعتبار مختلف ، لان مراده بقوله " في حوزة خشناء " أي لا ينال ما عندها ولا يرام يقال : إن فلانا لخشن الجانب ووعر الجانب ، ومراده بقوله : " يخشن

--> ( 1 ) ديوانه 2 : 19 ( 2 ) سورة هود 58